ابن قيم الجوزية
36
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
خصاصة ، وترى الناس علينا ألبا واحدا ، هل رأيت الحيرة ؟ « قلت لم أرها وقد علمت مكانها ، قال « فإن الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت بغير جوار ، وليفتحن اللّه علينا كنوز كسرى بن هرمز قلت : كسرى بن هرمز ، قال : « كنوز كسرى بن هرمز ، وليفيض المال حتى يهتم الرجل من يقبل منه صدقته » قال فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار ، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن ، وو اللّه لتكونن الثالثة إنه حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد كان « سلمان الفارسي » من أعلم النصارى بدينهم ، وكان قد تيقن خروج النبي صلى اللّه عليه وسلم فقدم المدينة قبل مبعثه ، فلما رآه عرف أنه هو النبي الذي بشر به المسيح فآمن به واتبعه ، ونحن نسوق قصته ، قال ابن إسحاق : حدثني عاصم ، عن محمود ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال حدثني سلمان الفارسي من فيه ، قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي ، وكان أبي دهقان قريته ، وكنت أحب خلق اللّه إليه لم يزل حبه إياي حتى حبه إياي حبسي في بيت كما تحبس الجارية ، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي نوقدها لا نتركها تخبو ساعة ، وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما ، فقال يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها ، وأمرني فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إليّ من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري ، فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم ، وقلت هذا واللّه خير من الذي نحن عليه ، فو اللّه ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعته فلم آتها ، ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين ؟ قالوا بالشام ، فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال يا بني أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قلت يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فو اللّه ما زلت حتى غربت الشمس ، قال : أي بني ! ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه ، فقلت له كلا واللّه إنه لخير من